الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

566

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أبي سعيد الخدري ، وهو قول داود ، واختاره الطبري . ولعلّ القائلين بوجوب الإشهاد الآتي عند قوله تعالى : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ قائلون بوجوب الكتابة ، وعليه فقوله : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [ البقرة : 283 ] تخصيص لعموم أزمنة الوجوب لأنّ الأمر للتكرار ، لا سيما مع التعليق بالشرط ، وسمّاه الأقدمون في عباراتهم نسخا . والقصد من الأمر بالكتابة التوثّق للحقوق وقطع أسباب الخصومات ، وتنظيم معاملات الأمة ، وإمكان الاطّلاع على العقود الفاسدة . والأرجح أنّ الأمر للوجوب فإنّه الأصل في الأمر ، وقد تأكّد بهذه المؤكّدات ، وأنّ قوله : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً الآية رخصة خاصة بحالة الائتمان بين المتعاقدين كما سيأتي - فإنّ حالة الائتمان حالة سالمة من تطرّق التناكر والخصام - لأنّ اللّه تعالى أراد من الأمة قطع أسباب التهارج والفوضى فأوجب عليهم التوثّق في مقامات المشاحنة ، لئلّا يتساهلوا ابتداء ثم يفضوا إلى المنازعة في العاقبة ، ويظهر لي أنّ في الوجوب نفيا للحرج عن الدائن إذا طلب من مدينه الكتب حتى لا يعد المدين ذلك من سوء الظنّ به ، فإنّ في القوانين معذرة للمتعاملين . وقال ابن عطية : « الصحيح عدم الوجوب لأنّ للمرء أن يهب هذا الحق ويتركه بإجماع ، فكيف يجب عليه أن يكتبه ، وإنّما هو ندب للاحتياط » . وهذا كلام قد يروج في بادئ الرأي ولكنّه مردود بأنّ مقام التوثّق غير مقام التبرّع . ومقصد الشريعة تنبيه أصحاب الحقوق حتى لا يتساهلوا ثم يندموا وليس المقصود إبطال ائتمان بعضهم بعضا ، كما أنّ من مقاصدها دفع موجدة الغريم من توثّق دائنه إذا علم أنّه بأمر من اللّه ومن مقاصدها قطع أسباب الخصام . وقوله : فَاكْتُبُوهُ يشمل حالتين : الأولى حالة كتابة المتداينين بخطّيهما أو خطّ أحدهما ويسلّمه للآخر إذا كانا يحسنان الكتابة معا ، لأنّ جهل أحدهما بها ينفي ثقته بكتابة الآخر . والثانية حالة كتابة ثالث يتوسّط بينهما . فيكتب ما تعاقدا عليه ويشهد عليه شاهدان ويسلمه بيد صاحب الحق إذا كانا لا يحسنان الكتابة أو أحدهما ، وهذه غالب أحوال العرب عند نزول الآية . فكانت الأميّة بينهم فاشية ، وإنّما كانت الكتابة في الأنبار والحيرة وبعض جهات اليمن وفيمن يتعلّمها قليلا من مكة والمدينة . وقوله : وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ أمر للمتداينين بأن يوسّطوا كاتبا يكتب بينهم